ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )

163

معاني القرآن وإعرابه

قوله : ( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ( 39 ) . * * * وقوله : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ( 14 ) ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ) فالاستثناء مُسْتَعْمَل في كلام العَربِ ، وتأويلُه عند النحْويينَ توكيدُ العَدَدِ وتحصيلُه وكمالُه ، لأنك قد تذكر الجملةَ ويكون الحاصلُ أَكْثَرَهَا ، فإذا أردت التوْكِيدَ في تمامها قُلْتَ كلها ، وإذا أردت التوكيدَ في نقصانِها أدْخَلت فيها الاسْتثناء ، تقول : جاءني إخوتك يعني أَن جَمِيعَهُم جاءك . وجائز أَنْ تَعْنِيَ أَن أكثرهم جاءَك ، فَإذَا قُلْتَ : جاءني إخْوَتُكَ كُلُّهُمْ أَكَّدْتَ معنى الجَمَاعةِ ، وأَعْلَمْتَ أنه لم يتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَد . وتقول أَيْضاً : جاءني إخْوَتُكَ إلا زيداً فتؤكد أن الجَمَاعَةَ تنقُصُ زيداً . وكذلك رُءُوس الأعْدَادِ مُشَبَّهَة بالجماعات ، تقول : عندي عَشَرة ، فتكون ناقِصَةً ، وجائز أن تكون تامَّةً ، فإذا قُلْتَ : عَشَرَة إلا نِصْفاً أو عشرة كَامِلة حَقَّقْتَ ، وكذلك إذَا قُلْتَ : أَلْف إلَّا خَمْسِينَ فهو كقولك عشرة إلا نِصْفاً لأنك إنَّما اسْتَعْمَلْتَ الاستثناء فيما كان أَمْلَكَ بالعَشَرَةِ من التِسْعَةِ ، لأن النِصْفَ قَدْ دَخَل في بابِ العَشرةِ ، ولو قُلْتَ عشرة إلا واحداً أو إلا اثنَيْن كان جائزاً وفيه قُبْح ، لأن تِسْعةً وَثَمانيةً يؤدي عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ ، ولكنه جائز من جهة التوْكِيدِ أَن هَذِه التَسْعَةَ لا تَزيد ولا تنقُصُ ، لأنَّ قَوْلَكَ عَشَرة إلاً واحداً قد أخبرت أفيه ، بحقيقة العَدد واسْتثنيت ما يكون نقصاناً من رأس العَددِ . والاختيار في الاستثناء في الأعداد التي هي عُقُودُ الكسُور والصحَاحِ جَائِز أن يستثنى . فأما استثناء نصف الشيء فقبيح